السيد جعفر مرتضى العاملي
82
خلفيات كتاب مأساة الزهراء ( ع )
ويقول : " يقول الإمام الصادق ( ع ) في ما رواه الكليني بسنده الصحيح عنه : ( عاشت بعد رسول الله ( ص ) خمسة وسبعين يوماً لم تُرَ كاشرة ولا ضاحكة ، تأتي قبور الشهداء في كل أسبوع مرتين ، الاثنين والخميس ، فتقول : ههنا كان رسول ، وههنا كان المشركون ( 1 ) . وفي رواية أخرى ، عن الصادق ( ع ) : أنها كانت تصلي هناك ، وتدعو ، حتى ماتت ( 2 ) . وهذا المقدار من الحزن والبكاء يليق بمكانة الزهراء ( ع ) ، ولا غضاضة فيه ، لأنه حزن القضية الذي لا يلغي قيمة الصبر . وأما ما أفاضت به بعض المرويات ( 3 ) ، التي يقرأها بعض قراء العزاء ، والتي تصور الزهراء وكأنها لا شغل لها إلا البكاء ، فهذا ما نرسم حوله بعض علامات الاستفهام ، لأني لا أتصور الزهراء ( ع ) إنسانة لا شغل لها في الليل والنهار إلا البكاء ، ولا أتصور الزهراء ، وهي المنفتحة على قيم الإسلام وعلى قضاء الله وقدره ، إنسانة ينزعج منها أهل المدينة لكثرة بكائها كما تصوّر هذه الروايات حتى لو كان الفقيد على مستوى رسول الله ( ص ) ، فإن ذلك لا يلغي معنى الصبر ، لأن الصبر قيمة إسلامية تجعل الإنسان يتوازن ويتماسك في أشدّ الحالات قساوة وصعوبة . وهذا ما يجعلنا نعتقد أن حزن فاطمة ( ع ) كان حزن القضية وحزن الرسالة أكثر مما هو حزن الذات ، لأنها كانت تستشعر بفقدها أبيها محمد ( ص ) أنها فقدت الرسول الذي انقطعت بموته أخبار السماء ، كما جاء في بعض كلماتها ( 4 ) . مشروعية البكاء وحدوده وزيادة في توضيح هذا الأمر ، ودفعاً لبعض الالتباسات والاعتراضات نقول : إن فراق رسول الله ( ص ) لم يكن بالأمر الهيّن ، لا سيما على ابنته السيدة الزهراء ( ع ) ، التي أحست أكثر من غيرها بعظيم الفادحة وثقل المصيبة التي المت بالمسلمين بوفاة رسول الله ولهذا كان حزنها عليه أعظم الحزن ، وبكاؤها عليه أعظم البكاء ، وكانت تخرج إلى قبره الشريف مصطحبة ولديها الحسنين ( ع ) لتبكي أباها ، وكل الشهداء الذين سقطوا معه ، لتذكّر المسلمين من خلال ذلك برسول الله ( ص ) حتى لا ينسوه في غمرة
--> ( 1 ) الكافي ، ج 4 ص 561 بحار الأنوار ، ج 430 ، 195 ، وعوالم الزهراء : ص 447 . ( 2 ) الكافي ، ج 4 ، ص 561 . ( 3 ) جاء في مرفوعة محمد بن سهل البحراني عن أبي عبد الله ( ع ) في حديث البكاؤون الخمسة ( وأما فاطمة ، فبكت على رسول الله ( ص ) حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها قد آذيتنا بكثرة بكائك فكانت تخرج إلى المقابر . مقابر الشهداء . فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف ) عوالم الزهراء ص 448 . ( 4 ) بحار الأنوار ج : 43 ، ص 207 . وجاء فيها : ( ( يا أبتاه انقطع عنّا خبر السماء ) ) .